الفصل الثالث
الغرض من إقامة هذا المذهب وكيف تأسس
قام هذا المذهب الهدام من أول الأمر على النيل
من الإسلام وأهله، إما بإخراج المسلم عن دينه بالكلية، أو بإدخال الشكوك في قلبه.
ولقد استفاض العلماء في بيان ذلك كله، واتضح
أن قيام هذا المذهب كان لأسباب كثيرة ومقاصد خبيثة من أهمها:
إبطال الإسلام والقضاء عليه وعلى أهله، أو زعزعته
من نفوس المسلمين أو تشكيكهم فيه، وإحلال المجوسية والإلحاد محله.
من أجل ذلك، ومن أجل إقامة حكم عام في الأرض
تسيطر عليه الآراء الباطنية، وينفذ فيه حكمها..قام هذا المذهب.
واتخذ أهله عدّة أقنعة تستّروا بها لتحقيق ما
يهدفون إليه منها:
1- اعتمادهم على تأويل النصوص تأويلات تنافي
ما يقرره الإسلام ويأمر به.
2- إظهار التشيع لعلمهم بأن مذهب التشيع يحتمل
كلامهم، إذ لم يجدوا مدخلاً إلى الإسلام إلا من جهة إظهار التشيع والانتساب إلى المذهب
الشيعي.
وقد تم تأسيس هذا المذهب -فيما يذكر الغزالي
(1) - كما يلي:
((تم في اجتماع لقوم من أولاد المجوس والمزدكية
وشرذمة من الثنوية
_________
(1) انظر فضائح الباطنية ص 18- 20.
(2/482)
الملحدين، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين،
-زاد الديلمي: وبقايا الخرمية واليهود-..جمعهم ناد واشتوروا (1) في حيلة يدفعون بها
الإسلام.
وقالوا: إن محمداً غلب علينا وأبطل ديننا، واتفق
له من الأعوان ما لم نقدر على مقابلتهم، ولا مطمع لنا في نزع ما في أيدي المسلمين من
المملكة بالسيف والحرب، لقوة شوكتهم وكثرة جنودهم، وكذلك لا مطمع لنا فيهم من قبيل
المناظرة لما فيهم من العلماء والفضلاء والمتكلمين والمحققين فلم يبق إلا اللجوء إلى
الحيل والدسائس.
ثم اتفقوا على وضع حيل وخطط مدروسة يسيرون عليها
لتحقيق أهدافهم من خلال الأمور التالية:
1- التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف
لهم.
2- دعوى أن النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور
والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللبّ ويترك القشور.
وهذا الزعم الكاذب يريدون من ورائه سلب المعاني
عن الألفاظ، والإتيان بمعان باطنية تتفق مع ما يهدفون إليه من الكيد للإسلام.
3- اختاروا أن يدخلوا على المسلمين عن طريق التشيع،
وعلى مذهب الرافضة، وإن كان هؤلاء الباطنيون يعتبرون الروافض أيضاً على ضلال، إلا أنهم
رأوهم- على حد ما ذكر الغزالي- أرّك الناس عقولاً، وأسخفهم رأياً، وألينهم عريكة لقبول
المحالات، وأطوعهم للتصديق بالأكاذيب المزخرفات (2) ،
_________
(1) انظر بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص 19.
(2) فضائح الباطنية ص 19.
(2/483)
وأكثر الناس قبولاً لما يلقى عليهم من الروايات
الواهية الكاذبة، فتستروا بالانتساب إليهم ظاهراً للوصول إلى أصناف الناس، فكان ظاهرهم
الرفض، وباطنهم الكفر المحض)) كما ذكر الغزالي (1) .
أو كما قال بعض العلماء: إن الإمامية دهليز الباطنية
... وهذا هو التفسير الواضح لما تلحظ من التقارب الشديد بين الباطنية والرافضة.
4- اتفقوا أن يبثوا دعاتهم وأن يلزموهم بخطة
ماكرة، وهي أنه يجب على كل داعية أن يوافق هوى المدعو مهما كان مذهبه ودينه مستعملاً
معه الحيل التسع المعروفة عنهم والتي سنذكرها فيما بعد.
وكان من أبرز دعاتهم ميمون بن ديصان القدّاح،
وهو رئيسهم (2) ، وابنه عبيد الله، وحمدان قرمط (3) ، وزكرويه بن مهرويه -عبدان-، وأبو
سعيد الجنابي، وولده أبو طاهر (4) ... وغيرهم ممن يطول حصرهم هنا.
وقد تحمل دعاة الباطنية كثيراً من المشقة والآلام
والأسفار الكثيرة في نشر
_________
(1) المصدر السابق ص 37.
(2) ويذكر أنه تظاهر بالإسلام على يدي جعفر الصادق
وترك المجوسية فغيروا اسمه إلى القداح فيما بعد، لأنه يقدح العلم عن خاطره على حد زعمهم
وهو فارسي من الأهواز. بيان مذهب الباطنية وبطلانه ص 20، وانظر ترجمته في أعلام الاسماعيلية
ص 559.
(3) هو حمدان بن الأشعث الأهوازي الملقب بقرمط،
أصله من خوزستان، تزعم طائفة نسبت إليه، ولقب بقرمط لقصر كان فيه، فرجلاه قصيرتان بشكل
ملفت للنظر الأمر الذي جعله ناقماً على المجتمع.
القرامطة ص5، وقد سماه ابن كثير قرط بن الأشعث
البقار، انظر البداية والنهاية ج11 ص62، وسماه النوبختي قرمطويه، انظر البداية والنهاية
ج11 ص62، وسماه النوبختي قرمطويه، انظر فرق الشيعة صـ93 وسماه ابن الجوزي كرميته نسبه
إلى رجل يسمى بهذا الاسم تلبيس إبليس ص 110.
(4) انظر: فضائح الباطنية، وانظر: بيان بطلان
مذهب الباطنية في عدة مواضع.
(2/484)
باطلهم من بلد إلى بلد، مما يتوجب على أهل الحق-
وهم يعرفون بأنهم سيحصلون من دعوتهم إلى الله على خيري الدنيا والآخرة - ألا يكون هؤلاء
الطغاة أكثر حماساً وصبراً منهم في نشر باطلهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق